الأربعاء, 07 كانون2/يناير 2015 17:00

من دفاتر اليرموك (231) اليرموك ومرتفعات جبل الشيخ بقلم علي بدوان

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

في هذا اليوم الجميل من حياة بلاد الشام، يكتسي البياض الناصع كل مساحاتها من أقصاها الى أقصاها، من جنوب فلسطين عند نقطة رفح وحتى أخر متر من شمال سورية.

 

تكتسي الأرض بغطاء الخير الأبيض، وكُلنا تفاؤل بيوم الفرج القريب، بعد فترات حالكة في سوادها، ومُتخمة بالمصاعب عاشها ويعيشها عموم أبناء البلد، ومنهم فلسطينيو سوريا، أبرز الضحايا المنسيين في معمعان الأزمة السورية.

 

 

الثلوج البيضاء الناصعة، تدفعنا للتفاؤل، وتشدني الى مرحلتين : الأولى عند إستكمال عملية إنتشار القوات الفدائية الفلسطينية في قطاع جبل الشيخ من جنوب لبنان أواخر العام 1971، والثانية اثناء خدمتي العسكرية على سفوح وتلال جبل الشيخ.

 

 

القوات الفلسطينية التي ذهبت إلى لبنان بعد الخروج الفلسطيني المسلح من الأردن اواخر العام 1971، أثناء تساثط الثلوج المستمر لفترات طويلة، وسلكت طريقاً متعرجاً إزدلفته من الأراضي السورية من تلال ومرتفعات جبل الشيخ والمناطق المحيطة بها عند مثلث الحدود السورية اللبنانية من بلدات (قلعة جندل، رخلة، دير العشاير، كفر قوق...) ومن غرب جنوب غرب منطقةالزبداني لتَعبُرَ نحو بلدات (راشيا الوادي، عيتا الفخار، كفر شوبا، الهبارية، خربة روحا، حلوة، إم دوخة...) في لبنان، ومن ثم لتتوزع على كافة مناطق وقطاعات الجنوب اللبناني.

 

جبل الشيخ أو جبل حرمون، الجبل المُكلل بالثلوج طوال عدة أشهر في العام الواحد، كان لي شرف كضابط مجند برتبة ملازم، قيادة سرية (مشاة/قوات خاصة) فوق مرتفعاته الممتدة مابين الأراضي السورية واللبنانية قبل سنين طويلة، إبان خدمتي العسكرية في صفوف قوات أجنادين التابعة لجيش التحرير الفلسطيني في سورية في الكتيبة (980/مشاة صاعقة) وفي حينها كان قائد الكتيبة العقيد صلاح أبو زرد (من إجزم قضاء حيفا) ورئيس أركانها المقدم عبد الرزاق سحيم (من عرب الوهيب طبريا)، وقائد قوات أجنادين العميد الركن علي قاسم أسعد (من الطيرة قضاء حيفا)، ورئيس أركانها العقيد الركن محمد صرصور (من مدينة صفد).

 

في مواقع جبل الشيخ، خدم آلاف الشبان الفلسطينيين من فلسطينيي سوريا عسكريتهم على سفوحه وتلاله، وسالت دماء العشرات منهم في معارك الإستنزاف التي تلت حرب تشرين أول/أكتوبر 1963 حيث كانت تنتشر قوات حطين التابعة لجيش التحرير، وشخصياً، بدأت خدمتي الميدانية في موقع القمة أي المرتفع 2814 متر، كقائد لسرية (مشاة/صاعقة) مع الطواقم الملحقة بها. ومن داخل الدشم والتحصينات العسكرية في الموقع إياه بدأت رحلتي السعيدة بطابعها الوطني والكفاحي مع مواقع الإنتشار العسكرية على خط الجبهة في هضبة الجولان وفي قطاع جبل الشيخ على وجه التحديد، أستنشق مع هوائه وترابه عبير ورائحة هواء وتراب فلسطيني، وطني ووطن أجدادي.

 

قيادتي لسرية (مشاة/قوات خاصة) بدأت من قمة جبل الشيخ، التي شهدت معارك طاحنة عام 1973 وفي حرب الإستنزاف عام 1974، حيث (مغارة الدم) وهي واحدة من الدشم العسكرية التي وقعت داخلها إشتباكات عنيفة بالسلاح الأبيض بين القوات الخاصة الفلسطينية والسورية من جهة ووحدات جيش العدو "الإسرائيلي" في الجهة المقابلة أثناء حرب الإستنزاف عام 1974 وقد بقيت الدماء تلطخ جدرانها إلى عقدين من الزمن مع إلتحاقي بالخدمة العسكرية.

 

من جبل الشيخ، كانت النافذة الثالثة التي أطل وأرى منها أفق وطني فلسطين. فالنافذة الأولى كانت من جبهة جنوب لبنان ومن مواقع مختلفة منها. والنافذة الثانية كانت من منطقة (وادي الرقاد) الواقعة في أقصى جنوب جبهة الجولان عند مثلث الحدود الأردنية السورية الفلسطينية, حيث تستريح هناك مواقع جنوب الهضبة السورية في منطقة فيق والعال وخسفين والجوخدار والبطيحة والحمة وبحيرة طبريا وسمخ وبيسان. 

  

 

رائحة هواء وتراب جبل الشيخ ومياهه العذبة، وأعشابه البرية ونباتاته المشابهة لأعشاب ونباتات جبال الجليل في شمال فلسطين المحتلة عام 1948 مازالت آثارها تفوح عند كل لحظة تستحضرها حاسة الشم عندي (كنبات العكوب البري والخبيزة والميرمية والعلت، وملفوف اللسينة، وزهر الحنّون أو البرقوق الذي يخرج من الأرض مع ذوبان الثلوج ...).

 

 

جبل الشيخ ومواقعه وتلاله الرئيسية شواهد راسخة ومحفورة في ذاكرتي الحية، من المرتفع الأعلى البالغ 2814 متر المسمى بقمة الجبل أو المرصد أو قمة قصر الأمير العربي (شبيب التبعي)، إلى مرتفع (العقبات) إلى مرتفعات شرق ووسط حرمون ومرتفع قمة النسر ومابينهما، خصوصاً ذاك الموقع المسمى بـ (المهبط)، والذي جرت على أرضه وعلى جنباته معارك طاحنة وإنزالات جوية متبادلة اثناء حرب الإستنزاف على الجبهة السورية مع العدو "الإسرائيلي" عام 1974.

 

ففي تلك المواقع والوهاد والمرتفعات، التي قَطعتها أثناء خدمتي العسكرية طولاً وعرضاً، هبوطاً وإرتفاعاً، كان لنا كفلسطينيين وسوريين ألف حكاية وحكاية، هي حكاية الكفاح الوطني الفلسطيني والعربي في مواجهة العدو "الإسرائيلي"، كما هي حكاية معارك جبل الشيخ أثناء حرب أكتوبر 1973 وحرب الإستنزاف عام 1974 التي شارك بها من سبقني لخدمة العسكرية من أبناء وطني من فلسطينيي سورية، حين كانت قوات جيش التحرير الفلسطيني ومازالت هناك في إطار القوات العاملة في قطاع جبل الشيخ إلى جانب القوات العربية السورية.

 

لكن أكبر تلك الحكايات في معارك جبل الشيخ كانت قبل حرب أكتوبر 1973، عندما كانت وحدات الإغارة الفلسطينية من قوات حطين التابعة لجيش التحرير الفلسطيني تواصل عملياتها اليومية عند تخوم وأطراف الجبل، وصولاً إلى منطقة المهبط على المرتفع 2400 متر، والتي وصلتها أقدام المقاتلين، وأستطاعت أن تحدد إحداثيات المجموعات "الإسرائيلية" وأن تُبيدها، وهي تلك المجموعات التي كانت تقصف بالهاونات بعض المواقع السورية في منطقة قطنا إنطلاقاً من مهبط جبل الشيخ.

 

جبل الشيخ، أو جبل حرمون، منطقة إستراتيجية من بلاد الشام، يَستطيع المُرء أن يرى من قمته وحتى من مرتفعاته الأدنى من القمة مناطق واسعة من فلسطين ولبنان وسورية في آن واحد.

فمن المرتفع 2814 متر فوق سطح البحر، تُشَاهد أضواء مدينة صفد الواقعة في جبال ومرتفعات الجليل الفلسطيني وعلى قمة جبل الجرمق، كما تُرى مدينة طبريا وبحيرتها وهي في قعر الغور الفلسطيني، تحيط بها الأراضي الزراعية الخصبة الممتدة على حدود (سايكس/بيكو) المشؤومة والمصطنعة مابين فلسطين وسورية.

 

 

ومن ذاك المرتفع العالي في قمة جبل الشيخ ذاته وعند تغيير مجال الرؤية تُرى وتُشاهد مناطق دمشق وريفها ومرتفعات الزبداني، فضلاً عن رؤية البقاع اللبناني وبحيرة القرعون إضافة لمرتفعات الباروك.

 

 

إن جبل الشيخ ينفصل عن بقية السلسلة الجبلية الشرقية للبنان بواسطة ممرات جبلية طبيعية عريضة، ساعدت الإنكسارات وعوامل التعرية الطبيعية على تكوينها. حيث تتألف المرتفعات الشرقية للبنان وجبل حرمون من صخور جيرية دولوميتية جوراسية تظهر في القسم الجنوبي وخصوصا في جبل حرمون.

إنه جبل الشيخ الذي وصفه أحد عتاة ساسة الدولة العبرية الصهيونية ديفيد بن غوريون بـ (أبو المياه) والنافذة الإستراتجية، طامحاً لإحتلاله بالكامل منذ قيام الكيان الصهيوني على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني، بإعتباره مصدراً هاماً وحيوياً وخزاناً مائياً يغذي جوف منطقة الجولان وأجزاء من القطاع الشرقي لجنوب لبنان وسهل الحولة في فلسطين والتي تبلغ مساحتها 165 ألف دونم، فضلاً عن بحيرة طبريا (بحيرة الجليل).

 

فالأهمية الأولى لجبل حرمون تنبع من كونه المغذي الرئيسي للمياه في المنطقة الواقعة في حوضه في الجولان ومناطق القطاع الشرقي لجنوب لبنان إضافة إلى مناطق ريف دمشق في وادي الحرير ووادي العجم.

 

ويتمتع جبل حرمون بأهمية عسكرية تعود إلى ما يوفره من بعد إحداثي ديكارتي ثالثي/شاقولي، يسمح بمراقبة مواقع الطرف الآخر بصورة جيدة نسبياً. وفي الواقع فإن جبل الشيخ يطل على الإتجاهات العملياتية على الجبهة السورية – الفلسطينية بحيث يشرف موضعياً على الأراضي المحيطة به حتى الأفق. وضمن ذلك يمكن القيام بأعمال المراقبة بالنظر، بواسطة أجهزة المراقبة البصرية لمسافات طويلة، ورصد كامل لإتجاه العمليات في الجانبين، وتالياً يمكن متابعة كل التحركات العسكرية وتصحيح رمايات المدفعية وضربات الطيران، إضافة إلى أنه يمكن أن يشكل ستاراً وعامل إضفاء للحشودات العسكرية للطرف المُسيطر عليه، ويقدم شروطا ملائمة لحجب الرؤية الرادارية وحماية الطائرات ذات الطيران المنخفض من الإكتشاف بحيث تصل إلى أغراضها بصورة مفاجئة. فضلاً عن ذلك يصعب على نيران المدفعية أن تطاول مرتفعاته بسبب طبيعة تضاريسه، فزيادة المدى الشاقولي للقصف المدفعي يكون دوماً على حساب النقصان في المدى الأفقي.

 

 

إقرأ 551 مرات

مـخـيـم الـيرمــوك

لبنان | ذوو الطفل محمد جدعان النازح من مخيم اليرموك...

لبنان | ذوو الطفل محمد جدعان النازح من مخيم اليرموك يناشدون إنقاذ حياته

أطلق ذوو الطفل الفلسطيني محمد جدعان ابن مخيم اليرموك النازح من سوريا إلى لبنان، نداء مناشدة لأصحاب الضمائر الحية والمنظمات الإنسانية والهلال الأحمر الفلسطيني واللبناني...

إجلاء مصابي داعش وجبهة النصرة من مخيم اليرموك بسوريا

إجلاء مصابي داعش وجبهة النصرة من مخيم اليرموك بسوريا

أكد مسؤولون فلسطينيون، بدء عملية إجلاء مصابين من مقاتلي تنظيم «داعش» وجبهة النصرة من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين والمناطق المحيطة به في دمشق خلال الأيام...

بدء خروج داعش من جنوب دمشق خلال 72 ساعة

بدء خروج داعش من جنوب دمشق خلال 72 ساعة

رجحت مصادر مطلعة أن يتم البدء بتنفيذ اتفاق انسحاب تنظيمي داعش وعناصر من «جبهة النصرة» الإرهابيين وتنظيمات أخرى من منطقة جنوب دمشق خلال 72 ساعة...

ستة آلالاف عائلة فلسطينية نازحة في قدسيا تناشد لفك الحصار

ستة آلالاف عائلة فلسطينية نازحة في قدسيا تناشد لفك الحصار

ناشد فلسطينيون نازحون من مخيم اليرموك، إلى منطقة قدسيا في ريف دمشق، والبالغ عددهم 6 آلاف عائلة، الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والمؤسسات الإغاثية والمقتدرين، لتقديم...

عبوة ناسفة تحوّل قيادي بالنصرة إلى أشلاءً في مخيم اليرموك

عبوة ناسفة تحوّل قيادي بالنصرة إلى أشلاءً في مخيم اليرموك

قتل قيادي من تنظيم جبهة النصرة الإرهابي وعنصر كان برفقته بانفجار عبوة ناسفة في شارع المغاربة بمخيم اليرموك جنوب دمشق أثناء مرور دراجة ناريّة كانت...

منتصف شهرنا الحالي موعد جديد لصفقة مخيم اليرموك...

منتصف شهرنا الحالي  موعد جديد لصفقة مخيم  اليرموك مع داعش

للمرة الثالثة على التوالي، يُحدَّد موعد جديد لبدء تطبيق الاتفاق القاضي بإخراج «داعش» والمسلّحين الغرباء من مخيّم اليرموك قرب دمشق. الموعد الأوّل كان حُدِّد نهايات العام...