الإثنين, 28 تموز/يوليو 2014 18:19

اليرموك وأم العبد، آيقونة مخيم اليرموك ...علي بدوان

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

إليكِ، يا أمي، آيقونة مخيم اليرموك، أيتها المرأة المُنتشية برائحة الميرمية والزعتر البري، وإلى كل النساء في سورية وفلسطين، كل عام وأنتم بخير. عيدنا مبارك، عيد الشهداء، وكما كنّا نكرر على الدوام (عيدنا عودتنا).

 

والدتي، المرأة الفلسطينية التي لجأت الى سوريا مع زوجها وأطفالها، ولم يكن من بين جموع اللاجئين الفلسطينيين الذين دخلوا سوريا ولو شخصاً واحداً من عائلتها أو أقاربها، الذين بقوا هناك على أرض فلسطين، فحطت رحالها بحظها العاثر في منافي الدياسبورا الفلسطينية الطويلة، لكنها جمعت ثنائية "الإرادة والتحدي" وزادها اليومي هو الوعي الفطري، فكانت حياتها، وحياة أبنائها، خلاصة حياة
الفلسطيني في منافي الشتات خارج الوطن، خلاصة الجمع بين الحياة، ورونقها، وجمالها، وعراكها اليومي، والمأساة الفلسطينية.


والدتي، فقدت زوجها في عز صباها، والدي سيد الرجال (أبو العبد) رحمه الله، تاركاً لها نحو (11) نفراً، ليس لهم من مُعيل، وليس لهم من أقارب في بلد اللجوء، سوريا، وطنهم الكبير، حيث عائلتها في حيفا، وعائلة زوجها بقيت هناك مُنتشرة في أكثر من مكان على أرض فلسطين، فقد كَتَبَ لنا القَدَرُ سيرة مُكتظة من التداخلات والتشابكات، جعلت من أسرتي والدي، أسرةً شديدة التوزع في أرجاء المعمورة، بعد وقوع النكبة، عدا عن الشتات مابين فلسطين بأجزائها المعروفة في المناطق المحتلة عام 1948 وفي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، ومابين الشتات المحيط بفلسطين في الأردن وسورية ولبنان وبلدان الخليج وحتى مصر والكويت.

لكنها (أي والدتي) تحدت التحدي، فكانت تلك المرأة السَّخيَّة والمعطاءة.

والدتي أُسمها (لطفيه قاسم عابدي) فلسطينية، حيفاوية حتى نخاع العظم من حي وادي النسناس مسقط رأسها منتصف عشرينيات القرن الماضي، ذات العطاء الدَّائم الذي لا ينضب، فهي الخصوبة الوفيرة، والكثيفة، والتَّكاثر، والولادة، ومازالت تواصل الحياة مع جمعنا الغفير في رحلتنا تلك، لتصبح الآن وبعد نكبة مخيم اليرموك الآيقونة النادرة، ليست لعائلتنا بل لمخيم اليرموك وشعبنا الفلسطيني، ولحارة الفدائية من شارع علي الخربوش وحتى نهاية شارع مفلح السالم، فهي الشريط المونولوجي، وأشَهد الشُهاد، وأفطن الناس، وحقيبة المعنى والتاريخ على سيرة وقصة النكبة، عندما غادرت مدينة حيفا ومعها أربعة أطفال وكان عمرها يقارب عمر ربيع الإنسان بـنحو (25) عاماً.

هي الشاهد الحي على النكبة، ووقائعها، ويومياتها، عندما خرجت من حيفا مع أطفالها وزوجها، في الثاني والعشرين من نيسان/إبريل 1948 كما هي الشاهد الحي على مسيرة السنوات الحالكة التي تلت عام النكبة، والشاهد الحي على عراك وضنك الحياة التي رافقت الفلسطيني منذ سنوات اللجوء الأولى.

 

كما هي الشاهد الحي على أول طوبة وضعت عند بناء مخيم اليرموك صيف العام 1954 بدءاً من حارته الأولى حارة الفدائية حتى نهاية شارع الشهيد مفلح السالم، فكانت أول إِمرأة فلسطينية ترافقها عمتي فاطمة، تدخل تلك البساتين التي كانت تسمى (بساتين الشاغور) مع لفيف من أبناء فلسطين اللاجئين الى سوريا في جوامع ومساجد أحياء دمشق، من أجل زرع أوتاد مخيم اليرموك، مُخيماً يَنُبتُ زعتراً وزيتون من دم فلسطين ورائحتها ولحمها، على طريق العودة، وإن طال زمن التغريبة. نعم كانت أَول إمرأة فلسطينية تدخل الى تلك المنطقة التي باتت تسمى مخيم اليرموك عام 1954، لتستلم لأسرتها مابات يعرف بـ (النمرة) ولعمتي (نمرة) وقد باتت تلك النمرتين ملكاً لعائلتنا بعد زواج عمتي وسفرها للأردن عام 1956.


والدتي، هي الشاهد الحي، على قسوة وجور الحياة التي رافقت اللاجيء الفلسطيني، من كافة مناحيها اليومية، لكنها ككل أمهاتنا، واجهت المصاعب بجرأة كبيرة، وصنعت من اللاشيء كل شيء، من بطانيات الأونروا، ومن خيش أكياس الطحين، وصولاً لتعليم كافة ابنائها في الجامعات.

 

وهنا تزداد اللعنة ووطأتها حين نفقد القدرة على سرد قصّة الفلسطيني، هذا الإنسان، المنكوب، جمل المحامل، وعلى الإلمام بمركّبات حياته السياسيّة والإجتماعيّة وتعرجاتها منذ ماقبل النكبة وحتى اللحظة الراهنة، اللحظة التي يعود بها العالم بأسره ليرى بأُمِ عينه، لحظات الحقيقة الفلسطينية في غزة وقطاعها، وفي الضفة الغربية والقدس، وفي اليرموك وعين الحلوة وداخل عمق الوطن المحتل عام 1948. وإذا كان أحد الروائيين الروس قد قال إنّ حياة أي فرد من عامّة الشعب، يمكن لها أن تكون قصّة عظيمة إذا رويت بطريقة جيّدة، فإنّ أعظم عُقد العيش ولحظات الملاحم يمكن لها أن تُنسى وتصدأ، إذا تُركت دون تدوين، أو تركت للذاكرة الشفهية لوحدها في عصر المعلوماتية وتكنولوجيا الرقميات.


أم العبد بدوان أو (لطفية قاسم عابدي) مأثرة من مآثر مخيم اليرموك، من رائحة فلسطين والبلاد، من رائحة حيفا ويافا وعكا وصفد واللد والرملة ... خرجت من فلسطين عام النكبة مع زوجها ومعها أربعة أطفال، وقد ناهزت الآن عمراً مديداً، لتقول فيه أن نكبة اليرموك كانت أقسى وأشد وقعاً من نكبة الوطن عام 1948. قبل أيام دخلت والدتي، مشفى الفيحاء بدمشق، فبكيت بكاء الرجال، وسرت في شوارع دمشق، والدمعة ترقرق بهدوء وتنساب من طرف العين. والدتي تعود اليوم للمنزل مُتعافية، أدعوا لها بالصحة وطول العمر، فهي من تلك المعادن النفيسة والأصيلة من ذهب فلسطين، المرأة المنتشية في كل خلايا جسدها وروحها برائحة فلسطين وترابها.

علي بدوان كاتب فلسطيني من مخيم اليرموك

 

إقرأ 915 مرات

صقيع الثلوج وصقيع الأزمة بقلم علي بدوان

صقيع الثلوج وصقيع الأزمة بقلم علي بدوان

العاصفة الثلجية (هدى) التي ضَربت بلاد الشام، حَمَلت معها ثلوج الخير، وأمطار البركة، والمياه الزُلال، حيث غطى بياضها الناصع كل مساحات بلاد الشام من أقصاها الى أقصاها، من جنوب فلسطين...

رسالة الى العاصفة بقلم: محمد جهاد حمدان

رسالة الى العاصفة بقلم: محمد جهاد حمدان

تتحالف كل الظروف وكل المؤثرات على موت شعبي، فربما يستلذ الموت بطعم ارواحنا، فيتفنن الموت ويتنوع، فمن الموت بالرصاص والقذائف، الى الموت تحت جنازير الدبابات وصواريخ الطائرات، الى الموت غرقاً...

أهي هجرة من الوطن ام هجرة إلى وطن؟ بقلم عمر عودة

أهي هجرة من الوطن ام هجرة إلى وطن؟  بقلم  عمر عودة

سؤال برسم الإجابة الى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والى الجامعة العربية !!! عندما افتت منظمة التحرير ومن بعدها الجامعة العربية بعدم جواز هجره الفلسطينيين وطالبت الإنروا الممثل...

اليرموك وأم العبد، آيقونة مخيم اليرموك ...علي بدوان

اليرموك وأم العبد، آيقونة مخيم اليرموك ...علي بدوان

إليكِ، يا أمي، آيقونة مخيم اليرموك، أيتها المرأة المُنتشية برائحة الميرمية والزعتر البري، وإلى كل النساء في سورية وفلسطين، كل عام وأنتم بخير. عيدنا مبارك، عيد الشهداء، وكما كنّا نكرر...

ان يتحول عباس الى وسيط في حرب غزة فهذه واحدة من اكبر نكسات الشعب الفلسطيني.. ونصيحتنا لقادة المقاومة ان يرفضوا مبادرته ومصيدة المفاوضات التي نُصبت لسرقة دماء الشهداء

ان يتحول عباس الى وسيط في حرب غزة فهذه واحدة من اكبر نكسات الشعب الفلسطيني.. ونصيحتنا لقادة المقاومة ان يرفضوا مبادرته ومصيدة المفاوضات التي نُصبت لسرقة دماء الشهداء

من اكبر النكسات التي لحقت بالشعب الفلسطيني منذ بدء العدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، ان يتحول الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى واحد من الوسطاء الذين يسعون الى وقف هذا...

إسرائيل على حافة الانهيار - أحمد منصور

إسرائيل على حافة الانهيار - أحمد منصور

تصريح المفوضية السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي يوم الأربعاء بأن هناك ترجيحات قوية بخرق إسرائيل للقانون الدولي في غزة وارتكاب ما يرقى لجرائم حرب هو أقوى إدانة دولية صدرت ضد...