لا يكتمل الحديث عن مخيم اليرموك إلا بمَعْلم أساسي ارتبط في ذاكرة أبناء المخيم خلال العقود الثلاثة الأولى من النكبة، وتحديداً منذ قيام المخيم عام 1954 وحتى منتصف سبعينيات القرن الماضي تقريباً. المَعْلم الأساسي الذي تتذكره أجيال الخمسينيات والستينيات من أبناء مخيم اليرموك كان مطعم وكالة الأونروا في المخيم، بموقعه القديم قرب مدرسة صفورية التابعة للوكالة في حي القاعة الميداني الملاصق لمخيم اليرموك من مدخله الشمالي الغربي، وقريب أيضاَ من مدرسة عين جالوت، وكانت بجانبه عيادة الأونروا.
 
أما مكانه الثاني فكان في حارة الفدائية، وتحديداً في المكان الحالي لروضة أطفال القدس، وهي الروضة التي إنهار بناءها في محنة اليرموك وحارة الفدائية بشقيها (شارع علي الخربوش وشارع مفلح السالم). كان مطعم الوكالة يقدم كأساً من الحليب لكل فرد، يتم توزيعها كمياتها على الطلاب والتلاميذ في عموم مدارس الوكالة بالمخيم، من خلال قدورٍ كبيرة يتم احضارها لكل مدرسة بحيث يتناسب مافيها من كميات الحليب مع عدد التلاميذ والطلاب في المدرسة الواحدة لينهل كل واحدٍ كاساً من الحليب بواسطة أكواب صغيرة مصنوعة من معدن الألمنيوم يَسكُبُها لهم (آذن المدرسة) وكان شرب الحليب في الصباح إجباري في المدرسة وتحت رقابة الإدارة حيث كان يقف إلى جانب (الآذن) معلم مناوب من المدرسة لضمان شربها من قبل الطلاب والتلاميذ.
 
إن أجيالنا لم تنسى كوب الحليب الساخن وحبة زيت السمك صباح كل يوم في مدارس الوكالة، أما وجبة الغذاء اليومية فكانت لمن يريد من أبناء اليرموك، مع فاكهة، بعد الدخول للمطعم على كرت الوكالة الأزرق (صار لونه ابيض منذ عدة سنوات).
 
كانت تلك الوجبة التي يلجأ اليها بسطاء وفقراء اليرموك وجبة غداء مُغمّسة بوجع الغربة وآلام اللجوء والنكبة. أما إعداد وطبخ الطعام فكان ولسنين طويلة يتم على يد المرحومة أم سليم حماد من بلدة (عين غزال قضاء حيفا). في مطعم الوكالة كان المرحوم أبو ناظم محمد عطية (من صفورية قضاء الناصرة) مدير المطعم الذي يشرف عليه ومعه أبو حلمي أبو النعاج، ويعمل على تأمين المواد يومياً، ويعاونهم أيضاً أبو غازي (وقد فاتني إسمه الكامل).
 
وداخل صالة الطعام يتم الجلوس على الطاولات حيث تتنوع كل يوم ألوان الطعام، مثل الفاصولياء مع البرغل أو الرز، والكفته من علب اللحمه المقدمة من الدول المانحة للوكالة، والبطاطا وحتى المجدرة وغيرها، لتنتهي عملية الغداء بحبة فاكهة لكل فرد (برتقالة أو تفاحة أو كومة من التمر ...)، حيث كان معظم فتيان وأطفال يدخلون للمطعم من أجل حبة الفاكهة. إنتقل مطعم الوكالة من مكانه الأول عام 1970 ليصبح قريباً من مركز توزيع الحليب اليومي التابع للوكالة، في المكان الحالي الذي قام عليه مركز الهاتف في مخيم اليرموك بعد ان توقف عمل المطعم عام 1976 على وجه التقريب.
 
مطعم الوكالة مَعلَم من مَعالِم مخيم اليرموك، وشاهد على نكبة فلسطين وتراجيديا اللجوء والمنفى في ذاكرة أجيالنا التي نمت وصعدت في مسار نهوض الشعب الفلسطيني بالرغم من المآسي الكبرى التي لاحقته منذ نكبته الكبرى عام 1948.
 
علي بدوان, كاتب فلسطيني من مخيم اليرموك.
 
 
 
نشرت في شؤون اليرموك
ظَهَرَ وأنتشر خلال الأيام الماضية على صفحات التواصل الإجتماعي : مخيم اليرموك، أوله حارة الفدائية، وأخره مقبرتي الشهداء الأولى والثانية. حارة الفدائية تَمتَدُ من مدخل اليرموك الرئيسي من شارع اليرموك، بإتجاه ساحة الريجي، بشارعين رئيسيين :
شارع الشهيد علي الخربوش، وشارع الشهيد مفلح السالم وتفرعاتهما. حارة الفدائية حتى ساحة الريجي، هي اللبنة الأولى من لبنات ومداميك مخيم اليرموك منذ صيف العام 1954، عندما قام مخيم اليرموك، ليصبح بعد حين قلعة من قلاع المقاومة الفلسطينية في الشتات، عاصمة الدياسبورا واللجوء الفلسطيني، أول الرصاص واول الشهداء في مسيرة الجلجلة الفلسطينية على دروب العودة لفلسطين.

كانت والدتي، واحدة من عامة المواطنين الفلسطينيين التي استلمت قطعة الأرض المخصصة لنا والمقدمة من الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب بواقع نمرتين.
فكانت أول سيدة فلسطينية تستلم قطعة الأرض في مخيم اليرموك صيف العام 1954، ليُشَادُ فوقها منزلنا اليرموك، الذي رأت عيناي نور الحياة ومولدي في غرفة متواضعة به في حارة الفدائية.

حارة الفدائية، وقد دُعيت كذلك، لأن القوافل الأولى من الشهداء بدأت منها، ولأن أول شهيدين في مثوى شهداء فلسطين في اليرموك كانا من تلك الحارة من مرتبات الكتيبة الفدائية الفلسطينية في الجيش العربي السوري (الكتيبة 68) :
الشهيد مفلح السالم، والشهيد علي الخربوش. اللذان استشهدا في الجليل شمال فلسطين المحتلة، وتبع ذلك القوافل المُتتالية من الشهداء.

ونشير هنا بان أعداداً جديدة من أبناء حارة الفدائية استشهدوا ايضاً في محنة اليرموك الأخيرة، وقد وصلت أعداهم نحو (30) شهيداً. أصابَت مِحنة مخيم اليرموك حارة الفدائية أكثر من غيرها من مناطق مخيم اليرموك، حيث بات الدمار الشامل يَعِمُ الحارة، في مشهد مأساوي لم يشفع لتلك الحارة ومواطنيها السوريين والفلسطينيين على حدٍ سواء انهم كانوا من بدأ مشوار إعمار اليرموك، ومن ساهموا في مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ بواكيرها الأولى. ومن يتابع الصور المتكررة للمشاهد المأساوية في اليرموك، يلحظ بأن صور حارة الفدائية، وبناية أسرتي قد نالت القسط الوافر من تلك الصور، بما فيها الصورة الكبرى التي نشرتها وكالة الأونروا في عدة ساحات كبرى من مدن العالم قبل عامٍ تقريباً، وقد ظهرت خلالها الحشود البشرية للناس في اليرموك، وبناية أسرتنا المدمرة.
 
إن عائلات حارة الفدائية من اللاجئين الفلسطينيين، تنتمي لمناطق مختلفة من فلسطين، وهي العائلات التالية :

أبو حسان (طيرة حيفا)، حجير (طيرة حيفا)، ملحم (صفورية الناصرة)، الحناوي (عكا)، عباس (كفر كنّا الناصرة)، شحرور (علما صفد)، ياسين (صفورية الناصرة)، قادرية (شفاعمرو حيفا)، الكبرا (صفد)، القاضي (صفد)، غنيم (صفد)، بحطيطي (الناصرة)، العاشق (عكا)، مولانا (عكا)، مرعي (عكا)، الحلبي (عكا)، ديبة (عكا)، حبيشي (أبو سنان عكا)، نجم ومحمد (صفورية الناصرة)، شنّار (حيفا)، الحاج (حيفا)، بدوان (حيفا)، رحمه (طبريا)، سمور (طبريا)، العاصي (لوبية طبريا)، أبوراشد (طيرة حيفا)، يعقوب (طيرة حيفا)، الدسوقي (الطنطورة حيفا)، العلماني (ترشيحا)، جاموس (الطنطورة حيفا)، الخربوش (عرابة البطوف)، قنديل (الطنطورة حيفا)، الشرقاوي (عكا)، أبو عون (لوبية طبريا)، جودة وصمادي وخليل (لوبية طبريا)، الحسين (عين غزال حيفا)، الفوط (ترشيحا عكا)، أبو حميدة (ترشيحا عكا)، شناعة (نمرين طبريا)، رستم (صفد)، عزام (كفر مندا الناصرة)، العايدي وكيلاني (لوبية طبريا)، عنبتاوي (عنبتا طولكرم)، عبد الله (الصرفند حيفا)، تيّم (الشجرة طبريا)، كلش (عين غزال حيفا)، سليمان (صفورية الناصرة)، الأسود (حيفا)، الهندي والشلن (الطنطورة حيفا)، بياعه (عكا)، الناجي (طيرة حيفا)، اللداوي (اللد)، جمعة (صفد)، باكير (طبريا)، محسن (لوبية طبريا)، بيكو (عكا)، إدريس (طيرة حيفا)، السيد (الجاعونة صفد)، السباعي (ترشيحا عكا)، شفاعمري (طبريا)، فارس (الشجرة طبريا)، حجو (لوبية طبريا)، شقره (صفد)، حمد (الصفصاف صفد)، سلِيم (عزون نابلس)، (كفركما طبريا)، أبو خميس (المجيدل الناصرة)، حماده (حيفا)، علوش (يافا)، سردار (يافا)، أبو زيتون (حيفا) ... والعائلات السورية في حارة الفدائية، واغلبها دمشقية من حي الميدان، منها عائلات : الشامي، برزاوي، السيوفي، العقّاد، سميحة، نعّوم، الحاج علي، جمعة، الكّل، الحكيم، البسطاطي، حوارنه، المصري، صلاحي، الفحل، السكلاوي، العمري، موسى ...
 
علي بدوان, كاتب ومحلل سياسي من مخيم اليرموك
 
 
 
 
 
نشرت في شؤون اليرموك
مأمون الشايب، فنان تشكيلي فلسطيني مُبدع، فلسطيني طيراوي حتى نخاع العظم، من أبناء مخيم اليرموك، ومن مدرسي مادة الفنون والرسم في مدارس وكالة الأونروا. من مواليد مخيم العزة والكرامة، مخيم اليرموك عام 1960. دَرَسَ في كلية الفنون الجميله في جامعة دمشق، قسم الرسم والتصوير الزيتي. وبات منذ سنواتٍ طويلة عضواً في اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين والسوريين والعرب.
 
شارك في العديد من المعرض والأعمال الفنيه في كثير من الدول العربيه والأجنبية. الفنان التشكيلي مأمون الشايب، صديق الفتوة والشباب في مخيم اليرموك، وفي ثانوية اليرموك، طالته التغريبة الفلسطينية الجديدة، فَحَطَ رحاله في مملكة السويد، في مدينة هلسنبوري، لكنه بقي مُلتصقاً بشعبه وأهله ومخيمه، وبجمهوره، وبناسه، وبتاريخٍ لاينضب لمخيمٍ فلسطيني في دياسبورا الشتات، كان ومازال منبع الوطنية الفلسطينية، أوّل الرصاص، أوّل الكلمة، أوّل الصورة، أوّل الملصق، وأوّل الفنون، في مشوار الحركة الوطنية الفلسطينية المُعاصرة.
 
أقام الفنان التشكيلي مأمون الشايب، أوّل معارضه الفنية، مشاركه، قبيل دخوله كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، حيث غاص في موهبته منذ بدايات مشواره الفني في العطاء، واذكر معرضه الأول (إياه) صيف العام 1977 في القاعة الأرضية لثانوية اليرموك في موقعها الحالي، فأنطلق من تلك اللحظات كخامة واعدة ومُبشّرة في هذا الميدان من العمل الراقي والإبداعي، الذي سَخَّرَهُ في جله من أجل قضية وطنه وشعبه، وفي سياق تقديم رؤية إنسانية لمستقبل جميل إنطلاقاً من فلسفة العمل الفني وإبداع اللوحة الفنية، وتنمية حالة التذوق لهذا الفن الراقي الذي يُعبّر في أحد وجوهه عن تَقَدُم المجتمعات البشرية وسموها.
 
لم يَغب الفنان التشكيلي مأمون الشايب في تغريبته الجديدة عن الفعاليات الوطنية، فاضاف لرصيده الغني والوطني قبل أيامٍ خلت معرضاً فنياً بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين ليوم الأرض الفلسطينية، ضمن فعاليات يوم الأرض في مدينة هلسنبوري بالسويد.
 
ضَمَ العديد من اللوحات الفنيه بواقع عشرون عملاً زيتياً، تَعكِسُ هواجس ومعاناة الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. الفنان التشكيلي مأمون الشايب، واحد، من هؤلاء الرجال والشبان والفتيان، من أبناء مخيم اليرموك، الذين ابدعوا بريشتهم، وبفنهم ببعده الوطني والإنساني، وبقيمته الجمالية، فتباينت أعماله بين الغوص في الواقعية حيناً، وبين البساطه والرمزيه. كان ومازال للواقعية حضور مُلفت بأعمال الفنان التشكيلي مأمون الشايب، وذلك للوصول الى الفكرة التي تُجسّد مأساة ومعاناة شعبه في الداخل والشتات.
 
فالواقعية هي التعبير الأوضح لسهولة وصول الفكرة، مماجعل مجمل أعماله تقريباً، وفي معرضه الأخير في مدينة هلسنبوري وثيقة تاريخية، وتسجيليه، تُضاف الى وقعها البصري الجمالي المُلفت باللون الواحد، ومحدودية الألوان في بعضها الأخر.
 
لا أدري هل هذا مقصود فكرياً، أم هو حالة جماية إستند اليها الفنان لتحديد عمق المأساة ..؟ الفنان التشكيلي مأمون الشايب، واحد من كوكبة من الفنانين التشكيليين من أبناء مخيم اليرموك ومن عموم فلسطينيي سوريا، من شيخ المُبدعين الراحل مصطفى الحلاج الى عبد المعطي أبو زيد، عبد الرحمن مرضعه، زكي سلاّم، عبد الله ابو راشد، الشهيد أسعد الأسعد، إبراهيم مؤمنه، محمد ابو صلاح، جمال الأبطح، أسامة الأبطح، هيسم شملوني، الشهيد عبد العزيز إبراهيم، عدنان حميده، عوض عمايري، محمد وهيبي، إبتهاج أميركاني، سليمان العلي، محمد الركوعي، علي الكفري، عماد رشدان، زهدي العدوي، ناصر جليلي، عروبة ديب، خليل صفية، خير الله الشيخ سليم، فارس سمور، جمال كتيله، مروان سلامة، محمود خليلي، نازك عمار، سمية صبيح، هناء ديب، سعيد قاسم، إبراهيم صفية، فتحي صالح، رائد وحش، علي جروان، سليم خروبي (أبو اللهب)، عبد اللطيف مهنا، الشهيد محمود الكردي، عز الدين إبراهيم، محمد عريشة، موفق عريشه، بشير صبح، أحمد صبحية، داليا الأبطح، أكسم طلاع، موفق السيد، أمين السيد، عماد الطيب، عماد عبد الوهاب، عبد الحي مسلم، غسان كنفاني، برهان كركوتلي، معتز موعد، ماهر قصير، محمود السعدي، يحيى عشماوي، لينا نبهاني، ناصر كتيلة، رائد خليل، رامز منزلاوي، مهند شاهين، محمد حلوة، ناهد عبد العال، شريف زيكوف، وفيق جوده، ياسر يوسف، رامي عباس... وهناك العديد من الأسماء، حيث لم تسعفني ذاكرتي بتدوينها... تحية طيبة ومودة، للصديق الفنان التشكيلي مأمون الشايب في تغريبته الجديدة، صديق الفتوة والشباب، والى المزيد من التألق والإبداع في هذا الميدان الراقي من العملي القيمي والإنساني والوطني.
 
علي بدوان, كاتب فلسطيني من مخيم اليرموك
 
 
 
 
 
نشرت في شؤون اليرموك

أبو عاصف، نمر الحسين، شهيداً على أرض مخيم اليرموك. جار الرضا، أحَسن الناس، ومن أفاضل مخيم اليرموك. رجل القيم والأخلاق والمبادىء. المُدرس والمربي لمادة اللغة العربية في ثانويات دمشق وعموم مدارسها بعد تخرجه من كلية الاداب في جامعة دمشق، قسم اللغة العربية، وقبل التحاقه في الجيش كضابط عامل مُتطوع، وخدمته في صفوفه لأكثر من (30) عاماً، حيث إنتهت خدمته برتبة عميد ركن، وتَسَرَح قبل سنوات قليلة.


أبو عاصف، نمر الحسين، سليل عائلة فلسطينية مُكافحة، فوالده كان من رعيل مجاهدي فلسطين وثوراتها قبل النكبة، من بلدة (عين غزال) قضاء حيفا في مثلث الكرمل، بلدة الناقد الأدبي الكبير إحسان عباس، البلدة المُتربعة على الكتف الجنوب الشرقي من جبل الكرمل، والمتمددة حتى شاطىء البحر الأبيض المتوسط، وشاطىء حيفا.
أبو عاصف شقيق اللواء خالد الحسين المُرافق الشخصي للرئيس الراحل حافظ الأسد لأكثر من (35) عاماً. وشقيق الصديق والأخ وزميلي في الدراسة الإبتدائية والإعدادية والثانوية في مدارس مخيم اليرموك العقيد الطبيب علي الحسين. وقد أستشهدت شقيقته كامله الحسين قبل عدة أشهر داخل اليرموك. 


رفض أبو عاصف أن يَخرُجَ من مخيم اليرموك، فبقي بين أبناء شعبه طوال الأيام الصعبة التي مضت ومازالت داخل مخيم اليرموك بين أزقته وحواريه وتشعباته، ونَذَر نفسه من أجل الناس، فكان على الدوام في مقدمة مشييعي الشهداء داخل اليرموك، وفي مقدمة المشاركين في المناسبات الوطنية العامة، كما قام بدوره العام الإجتماعي والوطني من اجل إنقاذ اليرموك، متقدماً الصفوف بين رجالات اليرموك وشبانه في البحث عن حلٍ سياسي، سلمي من أجل تحييد مخيم اليرموك وأهله عن مسارات الأزمة العامة في البلاد.


كان صديقا ودوداً لجميع الناس دون إستثناء، ولم يتوانى عن مساعدة كل من لجأ اليه، وكان صديق عائلتي وأشقائي، نراه كل يوم صباحاً وظهراً ومساءاً في مخيمنا، وفي المسجد الذي إعتاد على الصلاة فيه، مسجد الحبيب المصطفى، ومسجد الرجولة. وكانت أخر سهراتنا معه وبحضور عددٍ من رجال اليرموك في منزل جارنا العزيز اليافاوي الأصيل (أبو عثمان سردار) قبل محنة اليرموك بأيامٍ قليلة.


رحل أبو عاصف، نمر الحسين، كما رحل الشهيد أبو أحمد طيراوية مسؤول حركة فتح في اليرموك، وأبو العبد عريشة، وعبد الكريم، وأبو خطاب، وايمن جوده، وغسان الشهابي ... وغيرهم وغيرهم، برصاصات غادرة وآثمة هي ذاتها، أصابته بالقرب من بناء منزله الذي يُبعد عن بنايتنا المُدمرة نحو مائة متر فقط في مداخل شارع اليرموك، صباح يوم الأربعاء الواقع في الحادي عشر من شباط/فبراير 2015. فَضَرَجَ بدمائه الطاهرة الزكية أرض مخيم اليرموك، مخيم الثورة والشهداء، مخيم الشتات، وعاصمة العودة، مخيم حيفا ويافا وعكا وصفد واللد والرملة وعموم فلسطين. 


له الرحمة، ولعائلته الصبر والسلوان، والذكرى العطرة والطيبة بين أبناء شعبه في مخيم اليرموك، وعموم التجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية.

 

 

نشرت في شؤون اليرموك

لم ينسى فلسطينيو سوريا، ومخيم اليرموك، بلادهم فلسطين وخيراتها، ولم ينسوا ذاك الميراث اليومي بمعناه الواسع الذي إنتقل معهم من فلسطين الى ديار الغربة والشتات.

ومن بين تلك الأمور حبهم لطبيعة بلادهم فلسطين وحياة الريف فيها، جنة الله على الأرض من الجليل الى الساحل الى المثلث والنقب، الى عموم ريف فلسطين الأخضر الوادع وقراه المُنتشرة من مرج إبن عامر وسهول سارونه، الى جنين وطولكرم وقرى جبال كنعان، جبال النار وصولاً الى أخر ذرة تراب من ارض فلسطين.
حيث تكسو أرض فلسطين على مدار فترات طويلة من العام الواحد تلك الألوان الخضراء، والسجاجيد الطبيعية التي تزينها الورود البرية والنباتات الطبيعية. 

كانت أرض فلسطين وترابها، ومازالت موئلاً للنبات البرية المُختلفة، ذات الفوائد الجمة الغذائية والصحية، والطبية. شأنها في ذلك شأن بلاد الشام، وزد عليها من حيث التنوع البيئي والأيكولوجي. ففي فلسطين أخفض نقاط المعورة في منطقة البحر الميت والأغوار. وفي فلسطين الهضاب والنقاط المرتفعة كجبال الجليل وقمة الجرمق وغيرها والتي تُعتبر من اعلى نقاط الإرتفاع في بلاد الشام، حيث تقابل نقطة جبل الشيخ وجبل الباروك في لبنان. فضلاً عن وقوعها على شريط ساحلي طويل جداً قياساً لمساحتها.

لقد كان لنباتات فلسطين، ومازال حضوراً مميزاً بين ابناء الشتات، حيث تنتشر تلك النباتات في مناطق سوريا المختلفة، وخاصة منها الجولان المجاور لفلسطين أو الذي يُشكّل بالأحرى الإمتداد الطبيعي لشمال فلسطين ومنطقة الجليل. 
في مخيم اليرموك، وفي سوق الخضار المركزي، تجد كل نباتات فلسطين، حاضرة عند عموم البائعين، حيث يَحضر الناس من مناطق دمشق المُختلفة لشرائها. ومنا على وجه الخصوص :
أولاً عشبة (شاي) او (عشبة بلاط (نسبة لنموها فوق الصخر، والتي تُستعمل كالنعنع بطيبها.
ثانياً نبات (اللسّينه)"أو (أم لسان) أو (لسان الثور) وأوراقها تشبه اللسان، وتُسعمل مثل ورق العنب وورق السلق وتتميز بطيب مذاقها.
ثالثاً )الخبيزه) التي يتفنن الناس بطبخها.
رابعاً )اللوف) حيث تُطبخ اضلاعه بعد فرمها.
خامساً (الحميض) وبيستعمل مثل السبانخ لحشو الفطاير والمعجنات وبيتميز بطعمه الحامض.
سادساً (الزعتر) البري الفلسطيني الشهير، وهو غني عن التعريف حيث يُطحن ويمزج مع السمسم والسماق ليصبح صنف غذاء اساسي بكل مطبخ فلسطيني مع زيت زيتون، وقد بات ماركة فلسطينية عالمية.
سابعاً (العكوب) هو نبات شوكي لكن لُبَهُ لذيذ، ويطبخ بعدة طرق.
ثامناً (الميرميه) ويسميها البعض (جعساس) وهي نبات طبي مُطهر ومقوي يستعمل متل الشاي لتخفيف اوجاع المغص وتطهير الفم.
تاسعاً (العلت) الذي ينمو بالأراضي الزراعيه والسهليه ويطبخ بعدة طرق مع البصل وزيت الزيتون. تاسعاً نبتة (الكلخ.
عاشراً (الفرفحينة) واالتي يسميها الدمشقيين بـ (البقلة) حيث توضع أوراقها مع السلطات.
إحدا عشر (الخرفيش) وهو نبات شوكي قريب من (العكوب). حادي عشر (الشومر). ثاني عشر (السنيري)، ثالث عشر (الرشاد)....الخ.

إن كل تلك النباتات الطيبة، وغيرها، تجدها في أسواق الخضرة في مخيم اليرموك، وخاصة منها سوق الخضار المركزي (سوق الخيرات للفقير والغني وللجميع) الواقع منتصف شارع فلسطين قرب بلدية اليرموك.
 
علي بدوان, كاتب فلسطيني من مخيم اليرموك
 
 
 
 
 

 

 

 

نشرت في شؤون اليرموك

يُسارع العام الميلادي الجاري 2014، نحو الإدبار، وتبدأ معه الإطلالات الآتية للعام الميلادي الجديد 2015، فيما لايزال شعبنا الفلسطيني في كل مواقعه على إمتداد أرض فلسطين وفي الشتات، يعيش أوجاع قضيته الوطنية، في سفر الصمود والثبات، قاطعاً العقود المتتالية من الصبر العظيم، ومن محنة البقاء، حافراً طريقه بأظافره في دنيا العرب، وفي عالم مازالت تسوده شريعة (حق القوة) في مواجهة (قوة الحق).

يُدبر العام 2014، ونهنىء أنفسنا، فرغم كل المِحن، وأخرها محنة فلسطينيي سوريا، محنة مخيمات وتجمعات شعبنا الفلسطيني فوق الأرض السورية، وخاصة في : اليرموك، وحندرات، والسبينة، والحسينية، ودرعا ... مازال قلب الشعب الفلسطيني ينبض ويخفق بالحياة، ويدق على وقع صخب الدنيا في عالمٍ يموج ويضطرب، وسيبقى كذلك مادامت هناك مضغة في رحم أمٍ فلسطينية.

في أعياد الميلاد المجيد، وفي أعياد رأس السنة الميلادية، نهنىء شعبنا، كل شعبنا، ونتوجه لأبناء شعبنا وأهلنا من أبناء الطوائف الفلسطينية المسيحية بالتهنئة، متفائلين بأن تكون أعوامنا القادمة، اعوام خير وبركة على طريق الإنتصار وإن طال مشوار وسفر النضال والكفاح الفلسطيني المعاصر.
نستذكر في هذا المقام، أبناء شعبنا من الطوائف المسيحية في مخيم اليرموك الذين كانوا على الدوام جزءاً اصيلاً من النسيج الوطني الفلسطيني، وفي قلب العملية الوطنية الفلسطينية.

نستذكر المرحوم العم أبو خليل عيلبوني الفلسطيني حتى نخاع العظم، والرمز الصارخ من رموز أجيال النكبة بين أبناء اليرموك وأهله، المسيحي المؤمن بالإخاء والمحبة وعدالة قضية شعبه.

ونستذكر مع العم المرحوم أبو خليل، أبناءه وبناته الذين كانوا على الدوام من نشطاء العمل الوطني في مخيم اليرموك، ومنهم : المرحوم كميل عيلبوني الناشط الألمعي في كشافة فلسطين وحركة فتح. وميلاد عيلبوني الرسام والخطاط والفنان الذي ملأ شوارع اليرموك بلوحاته الجدارية، وكان أخرها لوحة (فلسطين اليوم لاغداً)، ومدرس الرياضيات ميخائيل، وناصيف، وخليل، وعبد الله. 

نستذكر في أعياد الميلاد العديد من العائلات الفلسطينية المسيحية في مخيم اليرموك : عائلة عيلبوني من مدينة طبرية، عائلة حتله من مدينة اللد، وعائلة أبو الشكر من مدينة اللد، وعائلة قبطي من مدينة يافا، وعائلة مريش من مدينة عكا، وعائلة خشيبون من طبرية... 

الجميع عاشوا في مخيم اليرموك، بوحدة وطنية حرارتها عالية، وحدة تَجمّع ولاتُفرق، توّحد ولاتُشتت. فكانت محبتهم تدوي في قلوب الجميع. وكما تُشير الأخت ناديا عيلبوني "العم أبو محمود رحمه الله .. أراه وهو يطرق باب بيتنا حاملا معه شجرة عيد الميلاد..تفتح أمي الباب ويطل أبي من ورائها ، يلقي تحية الصباح وهو يمد يده بشجرة الصنوبر الصغيرة إلى أمي : كل عام وأنتوا بخير خيتا أم خليل .. كل عام وأنت بخير خيّا أبو خليل..هاكم شجرة الميلاد...ذهبت مع مطلع الفجر، مع أخوي أبو السعيد لمزرعته خصيصا لجلبها لكم..عيد مبارك ..انشالله العيد الجاي بطبرية وعيلبون ...!!",

وفي مقطع أخر من مادة منشورة كتبتها ناديا تقول "اليوم الذي جاء فيه الكاهن إلى بيتنا ليبلغنا بأن الكنيسة ستعطينا بيتا لنكون بقرب ابناء الطائفة وابناء الكنيسة، والبيت هو في باب مصلى الذي تسكنه غالبية مسيحية. أبي لم يعط موافقته. وطلب من الكاهن مهلة للتفكير. وما أن خرج الكاهن ، حتى هز أبي رأسه معلنا رفضه للفكرة. قال ابي بالحرف الواحد، وماذا أنا في باب مصلى..مجرد انسان نكرة ومجهول مع أناس لا يجمعني معهم شيئا سوى الدين، لا عمي ما بدي، أنا هون بين أهلي وناسي، بفهم عليهم وبفهموا علي، بعرف وجعهم وبعرفوا وجعي. إذا قلت أخ يا راسي بلاقي الكل حوالي. أما أخي ناصيف فقد صفق باب البيت خارجاً وهو يردد بحزم وغضب قائلا : مين قاله للخوري انو احنا بدنا ننتقل؟اسمعوا .. أنا سمكة والمخيم بالنسبة إلي هو المي، وشوفوا شو بصير بالسمكة لما تطلع من المي. وعندما جاء دور أمي للحديث قالت: لا بدنا نروح ولا بدنا نيجي، هادا هو مطرحنا من هلأ لنرجع لبلادنا، انا بصراحة بقدرش بدون ام العبد وام محمد وام محمود هدول هني أهلي يلي الله عوضني فيهم عن أهلي البعاد". 
عندما توفي العم أبو خليل تم تشييعه في مخيم اليرموك بجنازه مهيبة، قال فيها المطران "ليت رعيتي أَحبتني كما أَحبَبَ اهل اليرموك ابو خليل". 

ملاحظة : دارت الأيام، لأعلم أن إبن خالتي في فلسطين، في مدينة حيفا الدكتور (ماجد الخمره) قد تزوج عام 1985 (عبلة زريق) وأسس معها عائلة فلسطينية داخل عمق الوطن المحتل في حيفا في حي وادي النسناس. ولم تكن عبلة سوى إبنة أخت أم خليل عيلبوني، التي بقيت في فلسطين بعد النكبة، فتصاهر الداخل والشتات.
 
 علي بدوان.
 
 
 
نشرت في شؤون اليرموك

توزع شتات مغاربة فلسطين بعد النكبة مابين سوريا ولبنان والقدس المحتلة. فقبل نحو (170) عاماً، وتحديداً في العام 1855، تم نفي قائد الثورة الجزائرية ضد الإستعمار الفرنسي الأمير عبد القادر الجزائري الى خارج الجزائر، لكنه إستطاع الوصول الى تركيا ومنها الى سوريا، فوصل الى سوريا وفلسطين ومعه المئات من رجالاته وعائلاتهم، الذين إستقروا في بلدة (عابدين) من أعمال جنوب غرب هضبة حوران، وفي حي السويقة بدمشق. بينما إتجه قسم أخر منهم وأستقر في فلسطين في البلدات والقرى التالية : (كفر سبت، معذر، ديشوم، بولعيد) قضاء طبريا. وفي قرية (هوشة) قضاء حيفا. وفي قرية (عولم) قضاء الناصرة. إضافة لإستقرار عددٍ منهم في حي المغاربة المقدسي الى جانب إخوتهم من الحجاج المغاربة الذين استقروا في فلسطين وأسسوا حي المغاربة.

 

 

أسس الأمير عبد القادر الجزائري ما عرف برباط المغاربة في حي السويقة الدمشقي، وهو حي ما زال موجوداً إلي اليوم، وسرعان ما أصبح ذا مكانة بين علماء ووجهاء الشام بما فيها فلسطين، ومن حينها بات مغاربة فلسطين جزءاً أصيلاً من مكونات الشعب العربي الفلسطيني والشعب العربي السوري.

 

بعد النكبة عام 1948، إضطرت غالبية مغاربة فلسطين للجوء الى سوريا ولبنان، وبقي مهم العديد القليل داخل أرض فلسطين المحتلة عام 1948. فباتوا ككل أبناء شعبهم لاجئين في ديار المعمورة. حيث أقاموا في مخيمات لبنان في تل الزعتر وباقي مخيمات بيروت في صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة. بينما أقامت غالبية من لجأ منهم الى سوريا في مخيم اليرموك، حيث حي المغاربة (شارع بولعيد) (أو حارة المغاربة) في مخيم اليرموك الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي لمخيم اليرموك بالقرب من معسكر أشبال حركة فتح والمدينة الرياضية، ومن المركز الثقافي العربي في اليرموك (بالمناسبة : أكبر مركز ثقافي في سوريا من حيث التجهيزات والمساحة والمدرج والقاعات).  

 

مغاربة فلسطين ومخيم اليرموك، تكوين وطني أصيل من نسيج الشعب العربي الفلسطيني، لعبوا دوراً متصاعداً في مسار العمل الوطني الفلسطيني قبل النكبة وبعد النكبة. وتميزوا بعنادهم الوطني والكفاحي وإخلاصهم المنقطع النظير لقضية شعبهم الفلسطيني، وسقط المئات منهم شهداء في مسار العمل الفلسطيني، كان منهم القوافل الأولى من كتيبة الإستطلاع الخارجي في الجيش العربي السوري (الكتيبة 68) خمسينيات وستينيات القرن الماضي. كذلك القوافل الأولى من شهداء الثورة الفلسطينية المعاصرة، وفي مقدمتهم شهيد إئتلاف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيد (أبو علي الأخضر) الذي أستشهد في منطقة (عين يهيف) قرب منطقة النقب نهاية العام 1967 عندما قاد من أغوار منطقة وادي عربة جنوب البحر الميت، دورية فدائية للجبهة الشعبية، والشهيد محمود خليفاوي ..... وكان من شهدائهم الجدد، الشهيد العقيد الركن عبد الناصر موقاري (قائد كتيبة في جيش التحرير الفلسطيني) الذي إغتالته يد جبانه وأثمة قبل فترة قصيرة من محنة اليرموك الأخيرة.

 

ويلحظ في هذا السياق، ولم يعرف مخيم اليرموك، أن أبناء حي المغاربة توزعوا على مختلف الفصائل، لكن غالبيتهم توزعت بين حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة). وصعد منهم الى اللجنة المركزية لحركة فيتح في مؤتمرها الأخير الذي تم عقده في بيت لحم عام 2008 (محمد المدني) ابن بلدة كفر سبت.

 

أغنى مغاربة فلسطين حياة الفلسطينيين قبل النكبة وبعد النكبة، كما وأغنوا التراث الفلسطيني، ومن تلك الإغناءات كانت الأكله الشعبيه المشهوره ذائعة الصيت بين كل الفلسطينيي في اليرموك وغيره، والتي يطلق عليها الفلسطينيون مُسمى (المُغربية)  أو (المفتول)، وهي أكلة شعبية طيبة جداً، وتحبذ أيام الشتاء، ومعروفة بالمغرب والجزائر وتونس تحت مسمى (كُسكسي)، وهي عبارة  عجين مفتول بالطحين، يتم تحويلة مايشبه حبات الأرز، ويطهى بطريقة فنية على قدور، ويضاف الى مرقة الدجاح مع الحمص والبصل أو لحم الخروف. 

 

بقلم علي بدوان, كاتب ومحلل سياسي من مخيم اليرموك.

 

 

نشرت في شؤون اليرموك

في موسم الزيتون، تنتصب هامات الفلسطينيين في الداخل أمام حصاد وفير، على إمتداد أرض فلسطين التاريخية، من رأس الناقورة حتى رفح، ومن النهر الى البحر. تنتصب الهامات  لتقطف ثمار الشجر الضارب في عمق تراب فلسطين، الشجر الذي يواجه كل يوم عصابات المستعمرين الذين يحاولون جرف تلك الأشجار وإقتلاعها لرمزيتها وعنوانها، وفي سياق مشاريع تهويد الأرض الفلسطينية.

 

من مخيم اليرموك، تَهِلُ على مواطنيه وسكانه رائحة زيتون فلسطين، وأوراقه شجره الخضراء، وهم من كانوا قبل النكبة ومازالوا، أصحاب الأرض الشرعيين، زيتون الجليل في عكا والناصرة وصفد وقراها والمثلث وقرى القدس نابلس وطولكرم وجنين وعموم أرض فلسطين.

 

يَهِلُ موسم جني الزيتون، ومخيم اليرموك يتوجه بأهله الى شعبه الفلسطيني في الداخل. الى الأقارب والأرحام الذين بقوا هناك على أرض فلسطين، صامدين صمود الزعتر والزيتون. فعائلتنا من أعمامي وأحفادهم وأنسبائهم وذريتهم ... والتي توزعت على عموم أرجاء أرض فلسطين تقطف تلك الثمار المباركة في أكثر من مكان من قرى المثلث وبعض قرى القدس ونابلس وطولكرم.

 

في الصورة المرفقة : أختنا الكريمة مجدولين بدوان (التي تشبه شبهاً كبيراً عمتي فاطمة وعمتي آمنه) تُسهِمُ بجني محصول الزيتون في أراضي عائلة (بدوان) في بلدة (عزون) قرب قلقيلية والتابعة لقضاء نابلس، وفي الصورة الثانية عاهد إبن عمي المرحوم أبو مصطفى وهو يتوجه لجني ثمار الزيتون من أرض عمي أيو مصطفى وعمي أبو جودت رحمهما الله في بلدة (عتيل) قضاء طولكرم. وفي الصورة الثالثة إبنة خالتي أم سمير وهي تعمل على جني ثمار الزيتون من أرضهما في قرية (معاوية) الواقعة جوار أم الفحم في منطقة المثلث داخل عمق فلسطين المحتلة عام 1948. وفي الصورة الرابعة (الكبيرة) خالتي أم سمير وابنائها أثناء إستراحة جني ثمار الزيتون من أرضهما الواقعة في أرض (الروحة) قرب أم الفحم في منطقة المثلث، وقد إستعانت بعدد من الأحباب والأقارب من أخوالي وابنائهم في مدينة حيفا وادي النسناس، ومنهم خالي العزيز الفنان التشكيلي عبد عابدي الموجود بالصورة.

 

نحن الآن في مخيم اليرموك وعموم دياسبورا المنافي والشتات، في هجرة قسرية لن تطول حتى لو طال الزمن، فالزمن يبقى قصيراً جداً في عمر الشعوب مهما طالت لياليه وأيامه الحالكة. نحن في مخيم اليرموك، وجذورنا هناك، راسخة، وعميقة، كعمق جذور وشروش الزيتون على ارض فلسطين من اقصاها الى اقصاها. فنحن فلسطينيي سوريا من (أرمية) فلسطينية مازالت مُتجذرة، لن يستطيع أحد، كائن من يكون، أن يمحوها أو يفنيها أو يقتلعها.

علي بدوان.. كاتب ومحلل سياسي من مخيم اليرموك.

 

 

نشرت في شؤون اليرموك

تَهًلُ كل فترة على مخيم اليرموك من كل عام بزخارفها اليومية ذات الطابع الإجتماعي والمعيشي، الذي يُشكِّلُ إمتداداً لحياة الفلسطينيين على أرض الوطن. ومن بين تلك الزخارف الجميلة الإسراع في تحضير المؤن الموسمية من عموم المنتوجات الزراعية التي تزخر بها بلاد الشام عموماً، وفلسطين خصوصاً. في عادات طيبة وذات بعدٍ إقتصادي متوارثة من أيام فلسطين، وخصوصاً من قبل أبناء العائلات الفلسطينية التي تعود لأصول فلاحية وبدوية من قرى عموم فلسطين، من قرى الجليل وسهل الحولة. كما هي عادة متوارثة عند أبناء المدن الفلسطينية.

 

تلك العادات، وإن تراجعت بشكلٍ عام بفعل عدة أسباب، منها إنتشار معامل تصنيع (الكونسروة) التي باتت تختصر جهد العمل اليدوي في البيوت والمنازل. وضغوط الحياة اليومية على الأسر الشابة. ودخول المرأة الفلسطينية سوق العمل. غلا أنها مازالت عادات متأصلة وموجودة داخل المجتمع الفلسطيني في سوريا، حيث يبقى لعملية التحضير المنزلي للمؤن السنوية رونقاً خاصاً، كموروث إجتماعي أصيل، خصوصاً وأن بعض النساء تتفن في عملية تحضيرها وتخزينها، وجعلها طيبة المذاق، فضلاً عن النظافة العالية والجودة في التحضير والتخزين.

 

من تلك المواسم الجميلة، مانشهده الآن من موسم تحضير مادة المكدوس، والتي تتفرد بها عموم بلاد الشام، في دمشق وفلسطين على جه الخصوص من بين عموم المنطقة. والمكدوس مخزون عالي القيمة الغذائية، مُحبب تناوله في أيام الشتاء، ويتكون بشكل رئيسي من الباذنجان المحشو بالجوز والفلفل الأحمر الحار بعد تقطيعه، حيث يضاف اليه زيت الزيتون بعد إنضاجه بعملية تُتقنها نساء دمشق وعموم فلسطين.

 

وفي الصيف أيضاً، يأتي موسم تحضير (ماء البندورة) ليتم إستخدامه طوال أيام العام بعملية الطهي للعديد من المأكولات. حيث تجري عملية غلي عصير البندورة في القدور على نار الحطب بين الحارات الفرعية في اليرموك، وإن إستعاضت العديد من النسوة عن تلك العملية بوضع العصير داخل قدور مغطاة بشاشٍ رقيق وتركه تحت نار شمس الصيف الحارة على أسطح المنازل.

 

أما تحضير البامياء، وغيرها من مؤون الخضروات، فيتم أيضاً بطرقٍ مشابهة، بالرغم من دخول عملية (التفريز) على خط حفظ المؤن، وإن هذه العملية غير محببة ومستساغة لدى الناس بسبب من فقدان المادة لسعراتها الحرارية، كما في فقدانها مذاقها.

 

أما موسم الملوخية، فالحديث عنه طويل، حيث تملأ عيدان الملوخية حارات شوارع اليرموك الفرعية في موسم تخزين هذه المادة، وقد أشتهر بها أهالي بلدة صفورية قضاء الناصرة عن غيرهم من أهالي اليرموك، وإن كان الجميع على السواء بالنسبة للملوخية التي يعشقها أغلب اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وقد علموا الدمشقيين طريقة طهيها (ناعمة) وليس كورق كما يطبخها الشوام الدمشقيين.

وأما مواسم تحضير المربيات، فتستمر طوال العام، حيث لكل مربى موسم، فالمشمش في نهاية الربيع، أما مربى العنب فموسم تصنيعه هو موسم الصيف، حيث يُحضر على شكل حبات صامد أو على شكلٍ مهروس ( أو كما يقال بالعامية الفلسطينية : ممروط).

 

في هذا السياق، وقبل قيام أسواق الخضرة الكبيرة والواسعة، ومنها سوق الخضار المركزي في اليرموك، والذي يضاهي أكبر سوق للخضار بدمشق، ومعظم قاصديه من خارج اليرموك، إشتهر عددٍ كبير من البائعين للخضار والمنتوجات في اليرموك، منهم  سويرح سويرح (أبو عادل الخماخم) وقد نال هذا اللقب العفوي بسببٍ من كميات الخضار الهائلة، وبالأطنان، التي كان يُنزلها أمام محله التجاري، والتي كانت تملأ شارع الجاعونة باليرموك. كما نذكر المرحوم  أبو أسعد عللوه، بمحله الواقع على تقاطع شارعي المدارس وصفد، وعربته التي كان يملأها بالعنب على سبيل المثال فيما كانت الدبابير (الزلاقط) تحوم وتحط عليها أسراباً أسراباً.

 

إن العديد من البائعين المتجولين، أيام زمان اليرموك، الذي عشنا فيه (على القلة والبساطة) كما يقال، وقبل التحول التجاري الكبير وإنتشار الأسواق، ذهبوا وتركوا وراءهم ذكريات طيبة وجميلة عن سيرة شعبٍ مكافح، ذاق أهوال النكبة وتداعياتها في دياسبورا المنافي والشتات.

 

من هؤلاء البائعين، كان الزغموت وهو من أهالي قرية الصفصاف قضاء صفد) وكان متخصصاً ببيع الأسماك، وخاصة منها سمك السلطان إبراهيم (بحزه الذهبي) والذي يعشقه الفلسطينيون، وسمك المشط الطبراني. ومن بين البائعين أيضاً شخص من عائلة باكير الطيراوية، والمتخصص بالتجوال بين الحارات لبيع الأدوات المنزلية التي يحملها بطريقة معينة بواسطة عصا تمتد على كتفيه، وبصوته الأجش المنطلق بلهجة طيراوية (قُحة). ومن بينهم أيضاً شخص طبراني كان يبيع كل شيء على عربايته المتجولة وينده بعبارة (اللي عاوز...).

 

أما البرجاوي رحمه الله (أستشهد أحد ابنائه في محنة اليرموك الأخيرة)، وهو من عائلة منصور من بلدة إجزم قضا حيفا، فكان يبيع القماش بين أزقة اليرموك، على كتفه، ثم على حمار، ثم على دراجة، ثم إفتتح محلاً تجارياً بعد التحول التجاري الكبير في مخيم اليرموك. تلك صور جميلة من يرموك زمان. ستبقى باقية في الوجدان، فهي من سيرة هذا الشعب. 

 

علي بدوان, كاتب ومحلل سياسي من مخيم اليرموك.

 

 

نشرت في شؤون اليرموك

قد يجهل الكثيرين خالد شاهين، وقد يعرفه البعض من أبناء مخيم اليرموك. خالد شاهين الجندي المجهول في الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وأحد المناضلين الوطنيين الفلسطينيين، وحفيد الزعيم الطبراني المعروف قبل النكبة وبعدها المرحوم صبحي شاهين.
 
خالد شاهين، الشهيد الحي، الذي كان من المُفترض أن يكون العنصر الرابع في المجموعة الفدائية التي نفذت أول عملية فدائية نوعية في الثورة الفلسطينية المعاصرة، وأقصد عملية الخالصة (كريات شمونه) في آذار/مارس 1974 الى جانب رفاقه :
الفلسطيني اليافاوي منير المغربي (أبو خالد) إبن مخيم اليرموك ومن سكان حارة جامع الرجولة الملاصقة لحارة الفدائية، والسوري أحمد الشيخ محمود إبن مدينة حلب، وأبن جنوب العراق موسى فزاع الموزاني الموسوي (أبو هادي) جنوب العراق.
 
بعد التدريبات والتحضيرات الهائلة التي سبقت تنفيذ العملية، باتت القيادة العسكرية، على قناعة بأن العملية الفدائية تحتاج لثلاثة مقاتلين فقط وليس لأربع مقاتلين، وهو ماتتطلب إخراج عنصر من عناصرها، وعندها وقعت الإحتجاجات في صفوف المجموعة، فتم إتخاذ طريق القرعة لإخراج العنصر الرابع، حيث تم تعبئة أربعة أوراق، ثلاثة منها كتب عليها (مشارك)، والرابعة كتب عليها غير (مشارك)، وتم خلط الأوراق، وطُلِبَ من كل واحد من اعضاء المجموعة إخراج ورقة، وهو ماتم، فخرج خالد شاهين من ميدان السباق للمشاركة في تنفيذ العملية الفدائية، والحسرة تعتصره.
 
كانت عملية الخالصة (مستعمرة كريات شمونة) مدوية في حينها، عندما إحتجز الفدائي منير المغربي ابن مخيم اليرموك، واليافاوي الجذور، جنود الإحتلال ومعه مجموعته الفدائية، وفجروا أنفسهم بالأحزمة الناسفة عندما أراد الجنرال موشيه ديان إقتحام المكان، فسقط العشرات من جنود الإحتلال (وقد قالت المصادر العسكرية الإسرائيلية في حينها أن سبعة عشر جندياً إسرائيلياً قتل، وجرح خمس عشرة آخرين إضافة إلى الخسائر المادية).
 
ونشير هنا، بان معظم مواطني بلدة الخالصة، التي أقامت عليها دولة الإحتلال مستعمرة كريات شمونة (ومعناها : قرية الثمانية)، هم من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان من ابناء منطقة الغور الفلسطيني.
 
المهم أن عملية كريات شمونة، أنها العملية النوعية الأولى التي خطت الطريق الجديد للمقاومة الفلسطينية في مواجهة جنود الإحتلال في قلب المستعمرات والمعسكرات. فتتالت وراءها العمليات النوعية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي... من الخالصة (كريات شمونه) الى ترشيحا (معالوت) الى كفار يوفال، وكفار جلعادي، ورامات مكشيميم، والمطلة، وفندق سافوي ...الخ. خالد شاهين، لم ييأس، فشارك في آب/أغسطس عام 1979 في العملية الفدائية الفلسطينية على شاطىء بلدة الزيب قضاء عكا، بعد أن غادر القيادة العامة الى صفوف جبهة التحرير الفلسطينية، الى جانب رفاقه غازي خليل، (من الخليل في فلسطين). ومحمد ديب منصور (أبو زياد من دمشق). وحمزة الباكستاني (من الباكستان). ووقع في الأسر مع رفاقه.
 
 
وقد أطلق سراحهم في عمليات تبادل الأسرى. والآن يجلس خالد شاهين على تخوم مخيم اليرموك، في مقهى شعبي في محلة (القاعة) المطلة على اليرموك، ينشد وطنه، وأهله، ومخيم اليرموك، ويزداد تألقاً ووطنية. فهو بحق الوطني الفلسطيني البسيط، وهو بحق الشهيد الحي.
 
 
 علي بدوان, كاتب ومحلل سياسي فلسطيني من مخيم اليرموك.

 

نشرت في شؤون اليرموك
الصفحة 1 من 3

صقيع الثلوج وصقيع الأزمة بقلم علي بدوان

صقيع الثلوج وصقيع الأزمة بقلم علي بدوان

العاصفة الثلجية (هدى) التي ضَربت بلاد الشام، حَمَلت معها ثلوج الخير، وأمطار البركة، والمياه الزُلال، حيث غطى بياضها الناصع كل مساحات بلاد الشام من أقصاها الى أقصاها، من جنوب فلسطين...

رسالة الى العاصفة بقلم: محمد جهاد حمدان

رسالة الى العاصفة بقلم: محمد جهاد حمدان

تتحالف كل الظروف وكل المؤثرات على موت شعبي، فربما يستلذ الموت بطعم ارواحنا، فيتفنن الموت ويتنوع، فمن الموت بالرصاص والقذائف، الى الموت تحت جنازير الدبابات وصواريخ الطائرات، الى الموت غرقاً...

أهي هجرة من الوطن ام هجرة إلى وطن؟ بقلم عمر عودة

أهي هجرة من الوطن ام هجرة إلى وطن؟  بقلم  عمر عودة

سؤال برسم الإجابة الى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والى الجامعة العربية !!! عندما افتت منظمة التحرير ومن بعدها الجامعة العربية بعدم جواز هجره الفلسطينيين وطالبت الإنروا الممثل...

اليرموك وأم العبد، آيقونة مخيم اليرموك ...علي بدوان

اليرموك وأم العبد، آيقونة مخيم اليرموك ...علي بدوان

إليكِ، يا أمي، آيقونة مخيم اليرموك، أيتها المرأة المُنتشية برائحة الميرمية والزعتر البري، وإلى كل النساء في سورية وفلسطين، كل عام وأنتم بخير. عيدنا مبارك، عيد الشهداء، وكما كنّا نكرر...

ان يتحول عباس الى وسيط في حرب غزة فهذه واحدة من اكبر نكسات الشعب الفلسطيني.. ونصيحتنا لقادة المقاومة ان يرفضوا مبادرته ومصيدة المفاوضات التي نُصبت لسرقة دماء الشهداء

ان يتحول عباس الى وسيط في حرب غزة فهذه واحدة من اكبر نكسات الشعب الفلسطيني.. ونصيحتنا لقادة المقاومة ان يرفضوا مبادرته ومصيدة المفاوضات التي نُصبت لسرقة دماء الشهداء

من اكبر النكسات التي لحقت بالشعب الفلسطيني منذ بدء العدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، ان يتحول الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى واحد من الوسطاء الذين يسعون الى وقف هذا...

إسرائيل على حافة الانهيار - أحمد منصور

إسرائيل على حافة الانهيار - أحمد منصور

تصريح المفوضية السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي يوم الأربعاء بأن هناك ترجيحات قوية بخرق إسرائيل للقانون الدولي في غزة وارتكاب ما يرقى لجرائم حرب هو أقوى إدانة دولية صدرت ضد...